كتب قلم السلام حمدي قنديل
ميثاق الاستخلاف الأخلاقي وحتمية الاقتران بين الإيمان والعمل الصالح
تظل منظومة العمل الصالح في الإسلام خارطة الطريق الأسمى لبناء الإنسان وإعمار الأرض إذ لا تقتصر الصالحات في جوهرها العقدي على إقامة الشعائر التعبدية المحصورة في الصلاة والصيام والذكر فحسب بل تمتد لتشمل كل سلوك إنساني إيجابي يسهم في نفع البشرية واستقرار المجتمعات وحماية البيئة المحيطة لتتجلى في هذا المفهوم الشامل عظمة التشريع الذي يربط بين صلاح الآخرة ونماء الدنيا في تلاحم فريد يؤكده الوحي ويدعمه العلم الحديث برؤاه التحليلية المستجدة التي تثبت أن حركة الإنسان المصلحة هي أساس البقاء والارتقاء
وإذا تتبعنا النص القرآني نجد أن قضية العمل الصالح قد وردت مقترنة بالإيمان في عشرات المواضع لتبين أن العقيدة المستقرة في القلب لا بد أن تثمر سلوكا نافعا في الواقع حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كما يؤكد القرآن الكريم على هذه التبعية الحتمية والجزاء العادل في قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ويوسع القرآن الكريم من دائرة الصالحات لتستوعب العدل والإحسان وإصلاح ذات البين والوفاء بالعهود وهي كلها مسارات تصب في مصلحة البناء المجتمعي وتضمن للفرد حياة طيبة مستقرة تقوم على الطمأنينة والتوازن النفسي والاجتماعي كما جاء في سورة النحل مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
وفي ذات السياق جاءت السنة النبوية المطهرة لتقدم تفصيلا تطبيقيا وتوسيعا مذهلا لمفهوم العمل الصالح بحيث جعلته متاحا لكل إنسان مهما كانت قدراته المادية أو البدنية ليرسم الرسول الكريم معالم هذا المفهوم حين جعل الابتسامة في وجه الآخرين وإماطة الأذى عن الطريق والكلمة الطيبة وإرشاد الضال كلها صدقات يثاب عليها المرء حيث يقول الرسول ﷺ تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة بل إن التوجيهات النبوية ذهبت إلى أبعد من ذلك حين اعتبرت كف الأذى عن الناس صدقة يقدّمها الإنسان لنفسه وفي هذا تسييج للمجتمع من مظاهر العنف والعدوانية وتأسيس لثقافة السلام والتعايش السلمي
ومن المثير للاهتمام أن التفسير العلمي الحديث والمنظور الكوني للأعمال الصالحة جاء ليؤكد التطابق الكامل بين الأوامر الشرعية وما ينفع الإنسان بيولوجيا ونفسيا حيث تظهر الدراسات الطبية النفسية والعصبية أن الانخراط في أعمال الخير ومساعدة الآخرين يحفز الدماغ على إفراز هرمونات السعادة والارتباط مثل الأوكسيتوسين والدوبامين وهو ما يقلل بشكل حاد من مستويات الإجهاد والتوتر ويعزز كفاءة الجهاز المناعي لدى الإنسان فيما يعرف علميا بنشوة المساعد التي تمنح الجسد طاقة إيجابية وتقيه من أمراض العصر الناتجة عن الضغوط النفسية
وعلى الصعيد البيئي والاجتماعي تلتقي الرؤية الإسلامية للعمل الصالح مع أحدث مفاهيم التنمية المستدامة فالحث النبوي على التشجير والزراعة في قوله ﷺ ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة يمثل أرقى نماذج الحفاظ على التوازن البيئي ومكافحة الاحتباس الحراري وحماية موارد الكوكب من النفاد كما أن القوانين الأخلاقية الناظمة للمعاملات كالأمانة وبر الوالدين وصلة الرحم هي ذاتها الركائز التي يقرر علم الاجتماع الحديث أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر أو يتطور بدونها لتظل الأعمال الصالحة بمثابة صمام أمان حقيقي يحمي العالم من التفكك والانهيار الأخلاقي والمادي وينير للبشرية درب البقاء والارتقاء
قلم السلام
دحمدي قنديل رئيس مؤسسه التسامح والسلام

0 تعليقات